يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
163
بهجة المجالس وأنس المجالس
على يديه ، فأرى في المنام مسكينا سائلا يقال له : بخت نصّر ببابل ، فانطلق بمال وأعبد له ، وكان رجلا موسرا ، فقيل له : أين تريد ؟ فقال : أريد التجارة . فنهض حتّى نزل ببابل فاكترى بها منزلا ليس فيه أحد غيره ، وجعل يدعو المساكين ويعطيهم ويلطف بهم حتى لم يبق أحد منهم إلّا جاء ، فقال : هل بقي مسكين غيركم ؟ قالوا : نعم ، مسكين بفج آل فلان « 1 » مريض يقال له : بخت نصر . فقال لغلمته : انطلقوا وانطلق معهم حتى أتاه ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : بخت نصّر ، قال لغلمته : احتملوه . فنقله إليه فمرّضه حتى برأ ، وكساه وأعطاه نفقة ، ثم أذّن الاسرائيلىّ بالرحيل ، فبكى بخت نصّر ، فقال له الإسرائيلي : ما يبكيك ؟ قال : أبكي أنك فعلت معي ما فعلت ولا أجد شيئا أجزيك به . قال : بل شيئا يسيرا إن ملكت أطعتنى . فجعل بخت نصر يلتوى ويقول : تستهزئ بي ؟ ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلّا أنه يرى أنه يستهزئ به ، وأبى عليه . فبكى الاسرائيلىّ وقال : لقد علمت أنه ما يمنعك أن تعطيني ما سألت إلّا أنّ اللّه تعالى يريد أن ينفذ ما قضى وما قد كتبه عنده في كتابه ، ثم ضرب الدهر ضرباته ، فقال سيحون وهو ملك فارس ببابل : إنّا لو بعثنا طليعة إلى الشام كان حسنا . قالوا : وما يمنعك ؟ قال : فمن ترون ؟ قالوا : فلان . فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف ، فخرج وخرج بخت نصّر في مطبخه لا يخرج إلا أن يأكل « 2 » ، لا همّة له غير شبع بطنه ، فلمّا قدم الشّام رأى صاحب الطليعة أرضا أكثر أرض اللّه خيلا ورجلا وسلاحا ، فكسر ذلك في ذرعه ، فلم يسأل ولحقه جزع ، وجعل بخت نصّر يمشى في مجالس أهل الشام فلا يدع مجلسا
--> ( 1 ) الفج : الطريق الواسع بين جبلين . ( 2 ) ا : ليأكل .